ابن قيم الجوزية

414

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

عزة » أي ملكة امتناع وقوة وقهر ، تمنع أن يشاركه في ملكه لشيء من الأشياء مشارك . فهو العزيز في ملكه ، الذي لا يشاركه غيره في ذرة منه . كما هو المنفرد بعزته التي لا يشاركه فيها مشارك . فالمتوكل يرى أن له شيئا قد وكل الحق فيه ، وأنه سبحانه صار وكيله عليه . وهذا مخالف لحقيقة الأمر . إذ ليس لأحد من الأمر مع اللّه شيء . فلهذا قال : « لا يشاركه فيه مشارك . فيكل شركته إليه » فلسان الحال يقول لمن جعل الرب تعالى وكيله : في ماذا وكلت ربك ؟ أفيما هو له وحده ؟ أو لك وحدك ؟ أو بينكما ؟ فالثاني والثالث ممتنع بتفرده بالملك وحده . والتوكيل في الأول ممتنع ، فكيف توكله فيما ليس لك منه شيء البتة ؟ . فيقال ، ههنا أمران : توكل ، وتوكيل . فالتوكل : محض الاعتماد والثقة ، والسكون إلى من له الأمر كله . وعلم العبد بتفرد الحق تعالى وحده بملك الأشياء كلها ، وأنه ليس له مشارك في ذرّة من ذرات الكون : من أقوى أسباب توكله . وأعظم دواعيه . فإذا تحقق ذلك علما ومعرفة . وباشر قلبه حالا : لم يجد بدا من اعتماد قلبه على الحق وحده وثقته به ، وسكونه إليه وحده . وطمأنينته به وحده ، لعلمه أن حاجاته وفاقاته وضروراته ، وجميع مصالحه كلها : بيده وحده ، لا بيد غيره . فأين يجد قلبه مناصا من التوكل بعد هذا ؟ . فعلّة التوكل حينئذ : التفات قلبه إلى من ليس له شركة في ملك الحق . ولا يملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض . هذه علة توكله . فهو يعمل على تخليص توكله من هذه العلة . نعم ، ومن علة أخرى . وهي رؤية توكله . فإنه التفات إلى عوالم نفسه . وعلة ثالثة : وهي صرفة قوة توكله إلى شيء غيره أحب إلى اللّه منه . فهذه العلل الثلاث : هي علل التوكيل . وأما التوكل : فليس المراد منه إلا مجرد التفويض . وهو من أخص مقامات العارفين . كما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « اللهم إني أسلمت نفسي إليك ، وفوّضت أمري إليك » وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون : وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ [ غافر : 44 ] فكان جزاء هذا التفويض قوله : فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا [ غافر : 45 ] فإن كان التوكل معلولا بما ذكره ، فالتفويض أيضا كذلك . وليس فليس . ولولا أن الحق للّه ورسوله ، وأن كل ما عدا اللّه ورسوله ، فمأخوذ من قوله ومتروك ، وهو عرضة الوهم والخطأ : لما اعترضنا على من لا نلحق غبارهم . ولا نجري معهم في مضمارهم . ونراهم فوقنا في مقامات الإيمان ، ومنازل السائرين ، كالنجوم الدراري . ومن كان عنده علم فليرشدنا إليه ، ومن رأى في كلامنا زيغا ، أو نقصا ، وخطأ ، فليهد إلينا الصواب ، نشكر له سعيه . ونقابله بالقبول والإذعان والانقياد والتسليم ، واللّه أعلم ، وهو الموفق . منزلة التفويض ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « التفويض » . قال صاحب « المنازل » : « وهو ألطف إشارة ، وأوسع معنى من التوكل . فإن التوكل بعد وقوع السبب ، والتفويض قبل وقوعه وبعده . وهو عين الاستسلام . والتوكل شعبة منه » .